إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
55
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
وَأَمَّا الْحَدُّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى ، فَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهُ إِلَّا قَوْلُهُ : ( يُقْصَدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ) . وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي عَاجِلَتِهِمْ وَآجِلَتِهِمْ ، لِتَأْتِيَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا ، فَهُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ ( 1 ) الْمُبْتَدِعُ بِبِدْعَتِهِ ( 2 ) ؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ إِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْعَادَاتِ أَوِ الْعِبَادَاتِ ( 3 ) ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعِبَادَاتِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا أَنْ يَأْتِيَ تَعَبُّدَهُ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَكُونُ فِي زَعْمِهِ ، لِيَفُوزَ بِأَتَمِّ الْمَرَاتِبِ فِي الْآخِرَةِ فِي ظَنِّهِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَادَاتِ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَضَعَهَا لِتَأْتِيَ أُمُورُ دُنْيَاهُ عَلَى تَمَامِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا . فَمَنْ يَجْعَلُ الْمَنَاخِلَ فِي قِسْمِ الْبِدَعِ فَظَاهِرٌ أَنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَهُ بِلَذَّةِ الدَّقِيقِ الْمَنْخُولِ أَتَمُّ مِنْهُ بِغَيْرِ الْمَنْخُولِ ، وَكَذَلِكَ الْبِنَاءَاتُ الْمُشَيَّدَةُ الْمُحْتَفِلَةُ ( 4 ) التَّمَتُّعُ بِهَا أَبْلَغُ مِنْهُ بِالْحُشُوشِ ( 5 ) وَالْخَرِبِ ( 6 ) ، وَمِثْلُهُ الْمُصَادَرَاتُ فِي الْأَمْوَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ وَقَدْ أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ التَّوَسُّعَ فِي التَّصَرُّفَاتِ ، فَيَعُدُّ الْمُبْتَدِعُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَى الْبِدْعَةِ ، وَمَا هِيَ في الشرع والحمد لله .
--> ( 1 ) في ( ر ) : " يقصد " . ( 2 ) في ( خ ) : " بان ببدعته " . ( 3 ) في ( ر ) : " بالعبادات أو العادات " . ( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) : " المختلفة " . ( 5 ) الحش : ما يخرج فيه لقضاء الحاجة . الصحاح ( 3 / 1001 ) . ( 6 ) الخربة : موضع الخراب ، والجمع خربات وخرب . لسان العرب ( 1 / 347 ) .